apps

انطفأ "الوجه الجميل جدا"...الاب كولفنباخ يستريح في "جنته اللبنانية"

Description

انطفأ "الوجه الجميل جدا"...الاب كولفنباخ يستريح في "جنته اللبنانية

هالة حمصي

تشرين الثاني 2016 28 

 

رئيس كبير، قائد، علم رائد، علامة فارقة في تاريخ اليسوعيين، "وجه جميل جدا". بهدوء، انطفأ الاب بيتر هانس كولفنباخ، الرئيس العام لرهبنة "رفاق يسوع" (اليسوعيون) من 1983 الى 2008، في بيروت التي احبها كثيرا، قبل 4 ايام من الاحتفال بعيد ميلاده الـ88، وبعد نحو 6 اسابيع من انتخاب الرئيس العام الجديد للرهبنة الاب ارتورو سوسا

الذاكرة المتقدة. المثقف "الرزين" الباحث ابدا، المسافر الى اقاصي الارض "في مهمة خاصة دائما". انه اول رئيس عام للرهبنة يستقيل، اول رئيس عام يُدفَن خارج روما، في سابقة تاريخية. الخليفة الـ29 للقديس اغناطيوس دي لويولا، مؤسس الرهبنة، كان "فخورا" بان يكون من اقليم الشرق الادنى والمغرب العربي، ولبنان ضمنه. قال ذلك بنفسه لاحد الطلاب الدارسين اللبنانيين، خلال لقاء في فرنسا. وعندما قَبِل المجمع العام للرهبنة استقالته، اختار ان يرجع الى لبنان، ليبقى فيه ابدا. وفي ربوعه يُدفَن، كما اراد، الاربعاء 30 ت1 ، في عيد ميلاده الـ88، في جنازة يشارك فيها الرئيس العام سوسا 

المثقف الرزين
انه ابن هولندا. هناك وُلد كولفنباخ في 30 ت2 1928. ودخل الرهبنة اليسوعيّة في 7 أيلول 1948. وصل الى لبنان، للمرّة الأولى، في 1 ت1 1958. كان احد اربعة شباب يسوعيين دارسين "انطلقنا معا في القطار من امستردام الى البندقية، وتعارفنا في الرحلة"، يتذكر رفيق السفر الاب تيو فلخت اليسوعي

طوال 5 ايام، ابحرت بهم باخرة "اوسونيا" الى بيروت، بعد توقف في اليونان ومصر. "عندما وصلنا، كان الانزال الاميركي. وبقينا فترة في سيدة الجمهور، حيث تعلمنا العربية على يد الاب الراحل كميل حشيمي. وبعد عودة الهدوء الى البلاد، أُرسِلنا الى بيروت، حيث بدأنا معا دراستنا اللاهوتية"، يروي

من ايام بيروت الستينات، عرفه ايضا الاب بول براورز الهولندي. "انه شخص رزين جدا، لا يسعى الى الظهور او جعل الآخرين يتكلمون عن اعماله". كانا قريبَين من بعضهما البعض، و"غالبا ما امضينا الوقت معا، وتشاركنا في مسائل روحية. كذلك، تعاونا في التنشئة الروحية للراهبات. كان القائد، وانا اعاونه". ذكريات تلمع، وتستعيد الاحداث والامكنة والتفاصيل. "كان وجها جميلا جدا"، 

في الإكليريكية الشرقية، اتمّ كولفنباخ دارسته اللاهوتية. وسيم كاهناً في بيروت في 29 حزيران 1961 في كنيسة القديس يوسف للآباء اليسوعيين، بعد 3 اعوام من وصوله الى لبنان. "كان شابا مثقفا، ويحب الثقافة"، لاحظ رفاق الدرب من البداية. العام 1964، توجّه الى فرنسا لمتابعة دراسات عليا في الأرمنية والألسنيات. ثم انتقل إلى الولايات المتحدة لإنهاء "سنة الإبتداء الثالثة". العام 1968، عاد الى بيروت، حيث درّس الألسنيّة العامّة والأرمنيّة الكلاسيكيّة في معهد الآداب الشرقيّة. ثمّ اصبح مدير معهد الفلسفة في جامعة القدّيس يوسف 

"الديبلوماسي والاستراتيجي"
بين 1974 و1981، تولّى مسؤولية رئاسة إقليم الشرق الأدنى في الرهبنة. في ك2 1981، عُيّن رئيساً للمعهد الحبريّ الشرقيّ في روما. العام 1983، انتُخِب خلال المجمع العام الـ33 للرهبنة، رئيساً عاماً. كان رجل المهمات الدقيقة، الحساسة. في تلك الحقبة، "كانت الرهبنة في مرحلة حرجة"، يقول مدير مركز الفنون الروحية في دير سيدة النجاة في بكفيا الاب زكي صادر اليسوعي. كان السلف الاب بيدرو اروبي ادخل "تغييرات كثيرة في الرهبنة، مطلوبة من المجمع الفاتيكاني الثاني. كانت ايجابية، بحيث غيّرت وجه الرهبنة بين ليلة وضحاها. غير انها اخافت من جهة الادارة الفاتيكانية، ومن جهة اخرى رهبانا في الرهبنة"، يشرح
ويضيف: "بانتخاب كولفنباخ، كان المراد ايصال شخص ديبلوماسي يعيد توحيد الرهبنة من جهة، ويحسّن العلاقات بالفاتيكان من جهة اخرى. وهذا ما حصل. كان المرمم. نجح في اعادة اللحمة الى الرهبنة عبر تشكيل لجان عدة، وتمتع بديبلوماسية كبيرة مع البابا الراحل القديس يوحنا بولس الثاني، ثم بصداقة كبيرة مع البابا الفخري بنديكتوس السادس عشر وغيره"

رجل الترميم والتخطيط فتح ايضا ورشة أفضت الى وضع مرجع يجمع كل قوانين الرهبنة. ويقول صادر: "كان عملا يوحد الرهبنة. وبات لنا، في عهد كولفنباخ، مرجعا قانونيا. كان رجلا استراتيجيا من الناحية الادراية. عرف ان يوحّد وينظم، الى جانب قدرته الديبلوماسية وعلى الجمع بين الاضاد". من صفاته ايضا، "البساطة، التقشف، الى درجة ان بساطته كانت تصدم رجال دين عرفوه... تمتع بديبلوماسية تريح الناس. كان قريبا من القلب"

الصديق عاد   
25 عاما، رئيسا عاما للرهبنة من 1983 الى 2008. كولفنباخ الجرىء كسر العرف. وفقا لقانون الرهبنة، الرئيس العام يكون لمدى الحياة. رغم ذلك، قدم استقالته، "عازيا السبب الى صحته، والى حاجة الرهبنة الى تجديد ودم جديد"، يشرح صادر. وهذا يجعل منه "اول رئيس عام يقدم استقالته، الاول الذي يُدفَن خارج روما". ويتدارك: "عندما يموت الرئيس العام (مدى الحياة)، يُدفن تلقائيا في روما". ولكن ليس في حالة كولفنباخ الذي لم يستقل فحسب، انما ايضا "افتتح عصرا جديدا، لانه بعد استقالته، استقال ايضا البابا بندكتس بعد اعوام عدة"

في بداية المجمع العام الـ35، سُمِح لكولفنباخ بأن يتنحّى عن مركز الرئاسة العامّة. في آذار 2008، عاد الى لبنان.. و"بقي نفسه"، يقول فلخت. لكنه "عاد بخبرة حياة ضخمة. لم تكن خبرة لبنانية او ايطالية، بل عالمية. سافر في كل ارجاء العالم، حيث كان اليسوعيون يعملون. وكانت زياراته كلها تقريبا من اجل مهمة خاصة، قضية معينة". الصديق القديم "نضج"، على قوله. "كان رجلا حقق خبرة يسوعية عالمية. تمكّن في كل مكان من ان يكون مَفهوما، ومن ان يَفهَم بدوره ايضا"

"انا في الجنة"
رغم اعوام الفراق، بقي لبنان عزيزا على القلب. واصر كولفنباخ على العودة اليه، فور قبول استقالته. "هنا بدأ رسالته الارمنية وتعلم الارمنية، ورُسِم كاهنا بالطقس الارمني. عاش في لبنان نحو 22 سنة. شعر بانه ينتمي اليه، وانه بيته. فقرر العودة اليه"، يفيد صادر. خلال لقاء للطلاب الدارسين في باريس العام 1994، اقترب منه كولفنباخ في ختام مداخلة له. "قال لي: انا فخور بان اكون من اقليمك. واجبته: انا فخور بان اكون في رهبنتك"

فخره المعلن بهذا الانتماء توّجه بكلام آخر بعد عودته، اثر تلقيه اتصالا من الخارج للاطمئنان اليه بعد حصول تفجير في بيروت. "انا في الجنة"، اجاب. في رأي صادر، "بلغ كولفنباخ نضجا روحيا جعله قادرا على الشعور بالجنة، اينما وُجد. هذه علامة للناس واليسوعيين"

سنوات الظل   
في دير القدّيس يوسف للآباء اليسوعيّين في بيروت، "ملأ وقته باهتمامات ثقافية. عمل على الملفات الارمنية باهتمام كبير. بقي دائما امينا لهذه الرسالة"، يقول براورز. في النبذة عنه، "مارس مهماّت متنوعّة، كالوعظ في الرياضات الروحيّة أو المشاركة في ندوات ومؤتمرات، الى جانب أعمال خاصة بالتراث الأرمني في المكتبة الشرقيّة ومركز التوثيق والبحوث العربيّة المسيحيّة (CEDRAC) كذلك، أمنّ، خلال اعوام عدة، الإرشاد الروحي لرهبانيّة القلبين الأقدسين"

ولكن رغم كل هذه الاهتمامات، "آثر ان يبقى في سنواته الاخيرة في الظل. كانت حياته منعزلة الى حد ما، لانه كان رأى العالم كله"، يقول فلخت. اصدقاء آخرون لاحظوا الامر نفسه. "اختار الصمت والهدوء. اراد ان يبقى في الظل. لكنه لم يفلح في ذلك دائما..."، يقول براورز ضاحكا  
وكما عاش بتكتم، ببساطة، انطفأ بهدوء، على مهل. براورز هو الراهب الذي ادّى له، عند سريره، مشحة الموتى، قبل ان ينطفىء (السبت 26 ت2). كان عائدا من سفر، "واول امر فعلته عند عودتي هو القاء التحية عليه، وان اصلي له مشحة الموتى في مستشفى اوتيل ديو. قالوا لي انه كان ينتظر عودتي قبل ان يغادر. وهذه اشارة شخصية". ويتدارك: "ثمة الكثير الكثير للقول عنه. كان وجها جميلا جدا"

 

hala.homsi@annahar.com.lb

 

Source:  https://www.annahar.com/article/503166

Auteur

Date

Téléchargement

file_downloadArabic

Thèmes